محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

131

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا . الذل والافتقار من صفات العبودية ، والعزّ والاستكبار مناقضان لهما ، لأنهما من صفات الربوبية . ولا خير في الطاعة إذا لزم عنها شيء مما يناقض صفات العبودية ، لأنها تحبطها وتبطلها ، كما لا مبالاة بالمعصية إذا لزمتها صفات العبودية ، لأنها أيضا تمحوها وتزيلها . قال سيدي أبو مدين رضي اللّه عنه : « انكسار العاصي خير من صولة المطيع » . وكان سيدي أبو العباس المرسي رضي اللّه عنه كثير الرجاء لعباد اللّه ، الغالب عليه شهود وسع الرحمة ، وكان يكرم الناس على قدر رتبتهم عند اللّه تعالى حتى أنه ربّما دخل عليه مطيع فلا يعبأ به ، وربما دخل عليه عاص فأكرمه . لأن ذلك الطائع أتى وهو متكبر بعمله ناظر لفعله ، وذلك العاصي دخل عليه بكثرة معاصيه وذلة مخالفته . وقد تقدّم مثل هذا عند قوله : « لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدّك عن حسن الظن باللّه تعالى » فمن هذا المعنى ما روى عن « أبان بن عياش » أنه قال : « خرجت يوما من عند أنس بن مالك رضي اللّه عنهما بالبصرة ، فرأيت جنازة يحملها أربعة من الزنج ولم يكن معهم رجل آخر ، فقلت : سبحان اللّه بسوق البصرة وجنازة مسلم لا يشيعها أحد ! ! فلأكوننّ خامسهم . فمضيت معهم ، فلما وضعوها بالمصلى قالوا لي : تقدّم . فقلت : أنتم أولى به ، فقالوا : كلنا سواء ، فتقدمت ، فصليت عليه ، وقلت لهم : ما القصّة ؟ فقالوا : اكترتنا « 1 » تلك المرأة ، . قال : فقعدت حتى دفنوه . فلما كان بعد ساعة انصرفت تلك المرأة وهي تضحك ، فدخل قلبي شيء ، فقلت لا ينجيك إلّا الصدق ، أخبريني ما القصة ؟ فقالت : إن هذا ابني ما ترك شيئا من المعاصي إلّا فعله فمرض منذ ثلاثة أيام فقال : يا أمّاه ، إذا متّ فلا تخبري بوفاتي جيراني ، فإنهم لا يحضرون جنازتي ويشمتون بموتي ، واكتبي على خاتمي هذا « لا إله إلا اللّه ، محمد رسول اللّه » واجعليه على كفني فلعل اللّه يرحمني به ، وضعي رجلك على خدّي وقولي : هذا جزاء من عصى اللّه ، فإذا دفنتيني فارفعي يديك إلى اللّه تعالى وقولي : إني رضيت عنه فارض عنه ، فلما مات فعلت جميع ما أوصى به ، فلما رفعت يدي إلى السماء سمعت صوته بلسان فصيح : انصرفي يا أمّاه ، فقد قدمت على ربّ كريم رحيم ، غير غضبان علي ، فإنما ضحكت من هذا . ومن المعنى الآخر ما روى أن رجلا من بني إسرائيل أتى عابدا من بني إسرائيل فوطىء على رقبته وهو ساجد ، فقال له العابد : ارفع ، فو اللّه لا يغفر اللّه لك ، فأوحى اللّه

--> ( 1 ) اكترتنا : استأجرتنا .